أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

364

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وهل معناه من ثاب يثوب أي : رجع ، أو من الثواب الذي هو الجزاء ؟ قولان : أظهرهما أولهما ، وقرأ الأعمش وطلحة : « مثابات » جمعا ، ووجهه أنه مثابة لكل واحد من الناس . قوله : لِلنَّاسِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف ، لأنه صفة لمثابة ، ومحله النصب . والثاني : أنه متعلق بجعل ، أي : لأجل الناس ، يعني مناسكهم . قوله : « وأمنا » فيه وجهان أحدهما : أنه عطف على مثابة ، وفيه التأويلات المشهورة : إما المبالغة في جعله نفس المصدر ، وإما على حذف مضاف أي : ذا أمن وإما على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل ، أي : أمنا على سبيل المجاز كقوله : حَرَماً آمِناً « 1 » . والثاني أنه معمول لفعل محذوف تقديره : وإذ جعلنا البيت مثابة فاجعلوه آمنا لا يتعدى فيه أحد على أحد . والمعنى : أن اللّه جعل البيت محترما بحكمة ، وربما يؤيد هذا بقراءة : « اتخذوا » على الأمر فعلى هذا يكون و « أمنا » وما عمل فيه من باب عطف الجمل عطفت جملة أمرية على خبرية ، وعلى الأول يكون من عطف المفردات . قوله : وَاتَّخِذُوا قرأ نافع وابن عامر : « واتخذوا » فعلا ماضيا على لفظ الخبر ، والباقون على لفظ الأمر ، فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على « جعلنا » المخفوض ب « إذ » تقديرا ، فيكون الكلام جملة واحدة . الثاني : أنه معطوف على مجموع قوله : « وإذ جعلنا » ، فيحتاج إلى تقدير « إذ » أي : وإذ اتخذوا ، ويكون الكلام جملتين . الثالث : ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفا على محذوف تقديره : فثابوا واتخذوا . وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه : أحدها : أنها عطف على « اذكروا » إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل ، أي : اذكروا نعمتي واتخذوا . الثاني : أنها عطف على الأمر الذي تضمنه قوله : « مثابة » كأنه قال : ثوبوا واتخذوا ، ذكر هذين الوجهين المهدوي . الثالث : أنه معمول لقول محذوف أي : وقلنا اتخذوا إن قيل بأن الخطاب لإبراهيم وذريته ، أو لمحمد عليه السّلام وأمته . الرابع : أن يكون مستأنفا ذكره أبو البقاء . قوله : مِنْ مَقامِ في « من » ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، آية ( 67 ) .